الجمعة, 08 مايو 2026
قطاع الامن والشرطة - شرطة السير
نعيش اليوم فوبيا كوارث حريق المركبات، ونكتوي تحت نار كوابيس وكواليس حوادثها و حريقها بمن تحمل، وتسطو على حياتنا ومخيلتنا الهواجس والمشاعر المرتبطة باستمرارها وتفاقمها، وتستحوذ على تفكيرنا وتشغل جزاء كبير من ذاكرتنا فعدنا معها لا ننام بسلام ولا نحيا بأمان.
غدونا لا نسافر إلا مغصوبين على أمرنا مجبرين على ذلك، ما إن عزم وسافر صغيرا أوكبيرا منا؛ إلا وأعلنت حالة الطوارئ وعم الاستنفار وتشكلت غرفة عمليات إتصال ومتابعة؛ وسادة المخاوف وتدفقت الصور الذهنية التي تتأتي بين الفينة والأخرى؛ وخاصة عندما ينقطع الاتصال ولا يرد على الاتصال لسبب عابر أو عدم وجود تغطية في المكان.
إنقلبت حياتنا رأسا على عقب في ظل الصورة الذهنية التي تشكلت وحفرت بالذاكرة الجمعية نحو كوارث الطرقات في إطار الحياة المرورية وواقعها المرير والمثخن بفداحة الخسائر البشرية والمادية وما آلت إليه كوارث الطرقات بعداً ارتبط بتفاقم وتصاعد حوادث حريق المركبات وقضى مستقليها في أبشع صور الحوادث المرورية والكوارث الطبيعية قاطبة.
كيف لا، وهناك ترتقي كتائب الارواح؛ وتتبخر الجثامين؛ فتنتشر المخاوف مع صرخات الضحايا، وتتدفق الأحزان مع أفولهم وغيابهم عن الحياة، ويعشعش الفقدان في الأرجاء؛
تنتشر الأخبار كانتشار النار في المركبات بمن تحمل؛ فتوثق في الاذهان وتأرشف في الذاكرة الصور المرعبة المنقولة عبر شبكات التواصل ووسائل الإعلام ؟!
تختصر وتقتظب الحكاية والقضية بجملة مفادها؛ كان المرحوم غلطان؛ حمل مواد قابلة للاشتعال في المركبة وحسب..
متجاهلين ومتناسيين ومنكرين أن هناك سلسلة متتالية وموازية سابقة ومرافقة ولاحقة من الأسباب والعوامل والأخطاء والخطوب والأحداث والتجاوزات والإنتهاكات لسيادة القانون وقواعده ، فالمرحموم قد تأبط شرا، خالف وتجاوز بارادته قانون حظر حمل وحيازة المواد الخطرة والمشتعلة والقابلة للاشتعال في عموم المركبات باستثناء المخصصة لذلك، مع تظافر وتكالب جملة من الأسباب الخفية والظاهرة المتكررة لسائق المركبة، من إهمال؛ وتجاوز السرعة المحددة ؛ والتجاوز الخاطئ والخطر، والانشغال بغير الطريق، والقيادة مع التعب والسهر وعدم استشعاره حجم المسؤولية تجاه الذات ومن يقل من الركاب ومستخدمي الطريق؛ وتجاهله مسؤوليته الأسرية والوطنية والانسانية ؛وإهماله الصيانة وشروط السلامة المرورية؛ وغيرها من القوانين والقواعد والآداب المرورية والعامة والقيم الأخلاقة والانسانية العليا.
في ذات الوقت؛ وبالتزامن مع الحادثة المؤسفة؛ وقبل وبعدها؛ تزاحمة الأسباب والعوامل والتجاوزات التي ارتكبت؛ فالكثير والكثير من الأخطاء والتجاوزات والمخالفات؛ بل والجرائم هيأت لوقوع الكارثة!؛ وأسست لاستمرار وتكرار المأسي والويلات بكوارث السير؛ وعززت إنتشار فوبيا حريق المركبات؛ وكوارث المرور عموما..
وإننا وفي إطار التوعية المرورية بأسبوع المرور العربي لهذا العام والمنعقد تحت شعار ( تمهل..نحن بانتظارك ) نتناول أبعاد كارثة حريق المركبات واسبابها وعواملها وتبعاتها وسبل التعامل معها والمعالجات الكفيلة بتحويل ردود الفعل من فوبيا ومخاوف واضطراب نفسي إلى دافع ومحفز ونقطة إنطلاق لتعزيز الوعي وتجنيد وتجييش المجتمع جماعات وأفراد ومنظمات ومؤسسات وتحشيد الطاقات والإمكانيات نحو معالجة القضية والإشكاليات المرورية برمتها وأبعادها المختلفة.
لا شك أن ما آل إليه الواقع والوضع المروري مزرى للغاية، وأن تبعاته وآثاره البشرية والمادية والاقتصادية تمس المجتمع بكافة مكوناته وتنظيماته وفئاته وشرائحه وعموم أفراده لا محالة.. ومما لا ريب فيه ولا غبار عليه أنه و بالمثل الجميع مشارك وله يد بشكل مباشر أوغير مباشر في ما وصلت إلية القضية والمشكلة المرورية،عن قصد وغير قصد؛جهلا وتجاهلا،وتدني وعي وانحراف ثقافة،إهمال تقاعس وركون ومماطلة وتسويف، لامبالاءة ورعونة وفساد،استهانه واستصغار واستخفاف بالدور والمخالفة والتجاوز،فقدان الشعور بالمسؤولية، تخلي عن واجب وتقصير وظيفي،عجز وإحباط وملل،وغياب المشاعر الإنسانية..
وتجسد تلك الممارسات والعوامل والأسباب بمخالفة النظام العام والنظم الأجتماعية لاسيما النظام المروري، متجليا بمخالفة القانون عموما وقواعد وقانون وآداب السير على وجه الخصوص،ويشمل ذلك بالعموم عدم الإلتزام والإلزام للذات و للآخرين بقانون المرور ومخالفة شروط القيادة وقواعدها وإهمال شروط السلامة المرورية.
ولعل الإخلال بالمسؤولية وخاصة من قبل الجهات المعنية بتنفيذ المشاريع المتعلقة بالبنية التحتية للطرقات والمتعلقة بالتخطيط الحضري؛وتنفيذ شق وتعبيد وسفلتة الطرقات، والصيانة والتحديث والتطوير، وتطويع وتوطين التقنيات و التكنولوجيا في هذا المجال؛ كل ذلك له دوره الكبير وخاصة مخالفة المقاييس والمعايير والجودة الشاملة، وغياب الرقابة والمتابعة من الجهات المختصة، وكذا الأمر ينطبق على الجهات المعنية باستيراد وجلب وسائل المواصلات والمركبات وعدم إلتزامهم بالمواصاف والمعايير والجودة،؛ واستيراد المركبات المتهالكة والخارجة عن الخدمة والمضروبة والمحولة ،وغياب الجهات والجهود الخاصة بالاشراف والراقبة على سلامة تسير المركبات والالتزام بشروط وقواعد السماح بتسيير المركبات وقيادتها والتزامها بشروط السلامة المرورية وقوانين وقواعد وآداب السير.
ناهيك عن تقصير الجماعات الإجتماعية و المؤسسات والمنظمات الاجتماعية في أداء دورها ووظيفتها بمجالات التنشئة والتوعية والتثقيف والرعاية للنشىء والشباب وغرس وعي قوانين وقواعد المرور وآداب السير في أذهانهم ورسمها ثقافة في ذاكرة الأجيال وسلوكهم المروري، مع غياب واضمحلال فعاليات وبرامج الشراكة والرقابة وعدم إخضاع الظواهر المرورية للدراسة والمعالجة العلمية والدعم والاسناد في التنفيذ لتلك المعالجات.
بالإضافة إلى غياب دور وتدني مستوى مسؤولية الاجهزة والمؤسسات الرسمية التشريعية والرقابية ومشاريع التحديث والتطوير والتنمية في إطار النظام والحياة المرورية.
ولا يمكن أن ننسى الفساد المالي والإداري والاخلاقي والانحراف الثقافي، والحرب الإرهابية التي تبنتها مليشيا الحوثي وأخواتها في تدمير البنية التحتية ومؤسسات الدولة والامكانيات والقدرات والثروات ونشرت الخراب والدمار والفوضى ، وفرضت حصارا على البلاد وزعزعت الأمن والاستقرار وقضت على التنمية والمشاريع الإنمائية، وعززت الثقافات المشوهة والمدمرة وشجعتها، ونشرت أسباب وعوامل الجهل والفقر والمرض والتخلف.
وإن هذا وذاك من العوامل والأسباب دعمت السلوك السلبي عموما والمروري بالذات؛ معززة دوافع ثقافة وسلوك المخاطرة والمغامرة المتهورة؛ والعنف، وإذكاء نوازع الفرقة ونهج الصراع وتغليب استخدام وسائل القوة والاجبار والقهر والظلم والجور، وغذت منابع التمييز والتمايز العنصري والمناطقي والفئوي، وأججت جحيم الكراهية؛ والبغظ؛ والحقد، والانانية ، وساهمت في إضمحلال قيم الولاء والانتماء والشراكة والتعاون والعدالة والانصاف والانسانية، والنزوع نحو الذات والانطواء والانكفاف على المصالح الشخصية والقيم المادية والتضحية بالمجتمع والوطن في سبيل الذات وتحقيق غاياتها.
،وفتحت الباب على مصراعية لهدم النظام وتجاوز القانون ورفض القيم والقواعد والآداب، والضوابط المنظمة للسلوك، وعصفت بالقيم والمعايير،وأطلقت يد الشر ووسائله وأدوات الهدم ،كبلت سبل البناء،جردت الإنسانية من الكرامة والحقوق والحريات والسلام والامان والتنمية،وافرغتها من مشاعر الرأفة و الرحمة و الرفق والانصاف، واشعلت نار الانتقام، وأطلقت اليد لسفك الدماء وإراقتها وحصد الاروح.. فأنشأت غول متوحش لا يبصر؛ لا يشم ولا يطعم ولا يعقل؛ يجهل ويتجاهل حرمة الدماء والاموال والاعراض؛ ولا يعي حرمة ولا يبال بقتل النفس وإهلاك الحرث والنسل؛ ولا يفي بعهد ولا ميثاق ، ولا يلتزم بقانون ولا يشعر بمسؤولية ولا واجب ؛ ولا يؤدي الأمانة ولا يحمل رسالة، لا يحترم ولا يعترف بالنظام ولا القانون ولا القيم ولايبال بانتهاكها.
فكانت كوارث وحوادث المرور بما فيها حريق المركبات حتمية ونتيجة طبيعية للواقع العام والمروري، وكانت فوبيا كوارثها امر طبيعي؛ ووارد في كثير من صورها.
ويكمن الحل والمعالجات في ظل هذا الظلام الحالك، بنشر الحقيقة ودراسة الواقع والوقوف على الأسباب، وتفعيل قنوات وسبل سيادة القانون، وتفعيل الأدوار والوظائف والمسؤوليات طبقا لذلك، وتعزيزها بتطبق نظم الجودة والشفافية والنزاهة والرقابة والمحسابة، والعدالة، ومكافحة الفساد..وعلى كل المستويات.
وأي معالجة وحلول خارج مجال تطبيق النظام وسيادة القانون، فلا جدوى منها، ولا مأمن من كوارث الطرقات؛ ولا مناص من انتشار وتوسع نطاق آثارها وتطور الابعاد النفسية المصاحبة لها بما في ذلك فوبيا كوارثها وحوادثها.